جبر الخواطر للداعية الأزهري محمود عبدالعظيم عناني

2018-02-02 01:30:24


جبر الخواطر خلقٌ إسلامي عظيم يدل علي سمو نفس وعظمة قلب وسلامة صدر ورجاحة عقل وكرامة أصل،وأصالة معدن وشهامة مقدرة ورجولة مباركة.

-فإذا نظرنا إلي القرآن نجد أن أوائل الآيات التي أنزلها الله علي نبيّنا محمد-صلّ الله عليه وسلّم- مبنيةٌ علي تطيب خواطر الناس،فلَك أن تتخيّل أن الله أنزل آيات يعاتب فيها نبيّه بسبب أنه في يوم من الأيام قام بكسر خاطر واحد من أصحابه وهو عبدالله بن أمّ مكتوب لما جاء إلي النبي ولم يلتفت إليه النبيّ لأنه كان مشغولاً بدعوة صناديد قريشٍ أنزل الله سورة كاملة تسمّي المعاتبة وهي سورةُ"عبس وتولّي" فكان إذا جاء للنبيّ بعد ذلك يقول النبيّ-صلّ الله عليه وسلّم-أهلاً بمن عاتبي فيهِ ربّي.

-يقول الله "فأما اليتيم فلاتقهر..وأما السائل فلاتنهر"من باب تطيب خواطر هذه الطائفة من المجتمع طائفة اليتامي والمساكين.

-بل انظر إلي شريعتِنا كيف أنها وضعت شعائر كاملة تأكيداً لجبر خواطر الناس مثلاً عبادة التعزية يقول النبيّ -صلّ الله عليه وسلّم-"من عزي أخاه في مصيبة أصابته كساه الله من حُلَلِ الكرامة يوم القيامة أو حُلّة من سندس خضراء يغبَط بها أي يُحسد عليها"وكان هذا بسبب تطييب خواطر الناس.

-أيضاً حرّمت علينا شريعة الإسلام أن لانأكل في آنية الذهب والفضة حتي لاتنكسر قلوب الفقراء تطييباً لخواطرهم وحتي لاتنكسر قلوبهم.

ثمّ إنّي أتذكّرُ حديثاً كريماً يرويه الإمام البزار في مسنده من حديث ابن عباس أن النبيّ -صلّ الله عليه وسلّم -قال قال الله"إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ،ولم يستطل علي خلقي،ولم يبت مصرّا علي معصيتي،وقطع نهاره في ذكري،ورحم المسكين،وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب ،فذالك نوره كنور الشمس أكلأَه بعزتي واستحفظه بملائكتي وأجعل له في الجهالة نوراً وفي الظّلمة حلماً،ومثله في خلقي كمثل الفردوس في الجنة"وماكان هذا الفضل كلّه إلا لمن تلمّس تطييب خواطر الناس.

ولو انتقلنا إلي السنة النبوية لرأينا هذا الخلق يتجلّي في صاحبها أعظم تجلّي وأبهي ظهور وأكمل حضور قولاً وعملا.
كان عليه الصلاة والسلام يجبر كل خاطر كسير حوله ..صغيراً كان أوكبيراً رجلاً كان أوامرأة ..فكان الكل يأوي إليه والكل يسعي لديه مع أنه كان مشغولاً بالدعوة ولكن مانسِي الفقراء ولا هؤلاء الذين يريدون جبر خاطرهم في كلّ خطوةٍ يخطوها -صلّ الله عليه وسلّم-حتي أنه يوماً يخطب علي جذع شجرةٍ فقال أحدهم ألا نصنع لك منبراً تخطب عليه يارسول الله فلمّا ترك النبي الجذع ليصعدالمنبر أخذ الجذع يبكي ويحنّ إلي حبيبنامحمد فنزل من علي المنبر ليطيّب خاطره ويبشرّه بأنه سيكون معه في الجنة حينها هدأ الجذع.

وعلي هذا سار الصحابة والتابعين علي هذا النهج الإنساني الرائع فكانت حياتهم مثالاً للتعاون والتآلف وإدخال السرور علي النفس وجبر الخواطر المنكسرة.
كان الإمام الشيرازي من كبار العلماء يسير في الشارع ومعه طلابه فرأوا في الجانب المقابل كلباً قد دخل في الشارع معهم فلما أن دخل الكلبُ إلي أوّل الطريق وقف الشيرازي وأشار إلي طلابه تنحّوا قالوا لما فأشار إلي ذلك الكلب ثمّ قال إن له حقّا كحقكم لاتروعوه وماكان العلم الذي نتعلّمه مروّعاً لكائن حيّ أبداً؛هؤلاء الطلاب لم تعد إستفادتهم منه مقتصرة علي مجلس الدرس بل مارأوا منه من احترام الكائن الحي وجبر خاطره أكثرُ استفادة واكتساباً للأدب والنبل وإنه إن فهم العلم والشرع علي أنه يحول الإنسان إلي مصدر للقتل ونقض العهود وتخريب العمران فإنه لم يفهم من العلم شيئاً ولم يدرك للشرع مقصداً.

قد يكون جبر الخواطر بكلمة وقديكون بإبتسامة وقديكون بنصيحة وقد يكون بقضاء حوائج الناس فلنحيي جميعاً هذه العبادة فقد يصبح المريض صحيحاً بكلمة، وقديصبح المقصر والمخطئ مصلحاً بموعظة حسنة،وقدتمسح علي رأس يتيم فيذكرك بهذا الموقف طوال عمره ويدعوا لك مدة حياته،وقد تقف إلي جنب أخيك فتصبره علي فقد حبيب له فلا ينسي لك أبداً هذا الموقف فكلّنا يحتاج شيئاً يطيّب خاطرنا.

اللهم اجبر خواطرنا بفرج قريب ومغفرة واسعةٍ إنّك سميعٌ قريب




موضوعات ذات صلة