"اليتيم.... قضية امن قومي"

2018-04-15 15:13:12


 

بقلم اللواء الدكتور/ محسن الفحام

يقترن شهر ابريل من كل عام بالاحتفال   بيوم اليتيم ...ويأتي هذا اليوم في ظل احداث كثيرة اعتقد انها أدت الى التأثير سلباً عليه وذلك نظراً للأحداث المختلفة التي واكبت تلك المناسبة ...

ولعل هذا يؤكد لنا نظرتنا التي سبق ان أشرنا اليها خلال السنوات السابقة ... من ان العديد ممن يحتفلون بهذا اليوم يأتي في إطار الوجاهة الاجتماعية او للاستمرار في الأضواء...المهم اثبات الوجود ليس الا...ولعل تلك المناسبة تكون احد وسائلهم لتحقيق ذلك.

نحن اليوم نتحدث عن الطفل اليتيم... ونثير تلك القضية باعتبارها تتعلق في جزء منها بالأمن القومي المصري...

ولعل قيام المجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف قد شجعني لان اتصدى لهذا الموضوع...كما يحدث كل عام ولكن يحدوني اليوم الكثير من التفاؤل والثقة والامل ان يضع هذا المجلس الذي يرأسه الاب والاخ والانسان الرئيس / عبد الفتاح السيسي قضية اليتيم ضمن أولويات اهتمام المجلس بشأنهم.

اعود بالذاكرة الى ثلاثة سنوات مضت عندما اقتحمت مجموعة من العاطلين قرية أطفال sos  الكائنة في مدينة نصر بالقاهرة وتم القبض عليهم...وعند استجوابهم تبين انهم كانوا من الايتام الذين تربوا في تلك القرية منذ نعومة اظفارهم وتلقوا بها الرعاية الصحية والاجتماعية اللازمة....الى ان وصلوا للسن الذى يستوجب خروجهم منها وهو 18 عاماً  طبقاً للقانون ليندمجوا في المجتمع الطبيعي ويبحثوا عن فرص عمل لهم الا انهم وجدوا انفسهم فجأة بلا مأوى او عمل فقاموا باقتحام مقر الجمعية في محاولة للعيش بها مرة أخرى برغم مخالفة ذلك لقوانين دور الايتام.

-وتذكرت ايضاً هؤلاء الايتام الذين تم استغلالهم بمعرفة جماعة الاخوان الإرهابية ليسيروا في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر حاملين اكفانهم على أيديهم في مشهد تم نقله اعلامياً للعالم الخارجي متاجرين بهؤلاء الأطفال الذين لم يدركوا مغزى ما يقومون به حتى الان.

-وتذكرت العديد من حالات الاستجواب التي تمت لأعداد كبيرة من الارهابين والخوارج صغيري السن عندما كان يتم القبض عليهم حيث اكتشفنا ان بعضهم تم طرده من داراً للأيتام او انه قضى جزءاً من طفولته في الشارع الى ان تلقفته أيدي قيادات تلك الجماعات واستطاعت ان تزرع بداخله كراهية المجتمع وتكفيره والعمل على اسقاطه.

-لقد بلغ عدد دور الايتام في مصر حسب اخر إحصائية 30 ألف داراً تضم بين جدرانها حوالي نصف مليون طفل.... والحقيقة ان وزارة التضامن الاجتماعي تقوم بدور كبير من متابعة تلك الدور بكل ما تملكه من جهد وحزم وقامت بالفعل بإغلاق العديد منها وتوزيع الأطفال المتواجدين بها على ديار أخرى لعلهم يلقون فيها رعاية وعناية أفضل.

-ولكن موضوع اليتيم أكبر وأعمق من ذلك بكثير...فهم من الممكن ان يكونوا قنابل موقوتة إذا لم نتمكن من نزع فتيلها في الوقت المناسب وقبل ان يتحولوا الى اطفالاً للشوارع في حال تمكنهم من ترك الديار التي تأويهم فيكونوا وقوداً لعمليات تخريب وترويع للأمنين مثلما حدث منهم عند اقتحام المحلات والمطاعم والمولات الكبيرة كما حدث في يناير وفبراير 2011....

وبالرغم من الأعباء الجسام التي تتحملها الدولة في الوقت الحالي سواء داخلياً او خارجياً فإنني أتمنى الا تكون تلك القضية بعيدة عن اهتمامها ومن هنا فإنني اعيد طرح بعض الأفكار والمقترحات لعلها تجد من يتبناها او على الأقل يهتم بها.

1-عدم السماح بفتح دور الايتام الا بعد استيفاء شروطاً تضعها الأجهزة المعنية.... وهنا لابد ان اشير الى دور وزارة الداخلية للتعاون مع التضامن الاجتماعي.... لان الشرطة من أكثر الأجهزة التي تعاني من ظاهرة هروب الأطفال من تلك الدور.... او انضمامهم لتشكيلات عصابية او إرهابية.

2-إلزام دور الايتام بتعليم الأطفال حتى المرحلة الثانوية او ما يعادلها من تعليم فني صناعي او زراعي واعتقد ان تلك التخصصات أصبحت مطلوبة للدولة حالياً أكثر من أي وقت اخر تمشياً مع تلك النهضة العمرانية والزراعية التي تشهدها البلاد حالياً.

3- اخضاع المشرفين القائمين على دور الايتام لدورات تدريبية متخصصة وعدم الاكتفاء بكونهم خريجي معاهد او كليات للخدمة الاجتماعية او تربية الطفولة ...لان الطفل تتغير متطلباته كما هو معروف من مرحلة سنية الى أخرى ومن الصعب السيطرة عليه الا إذا كان القائمين بالإشراف عليه لديهم القدرة الثقافية والاجتماعية على مواجهة تلك المتغيرات بالكلمة والموعظة الحسنة او بمبدأ الثواب والعقاب حسب ما يرونه مناسباً في هذا الشأن.

4-إعادة النظر في قرار عدم قبول الايتام لأداء الخدمة العسكرية لأنهم مجهولي النسب.... وارى هنا انه من الممكن الاستفادة منهم في الكثير من المجالات خاصة الفنية والصناعية والتمريض علاوة على اندماجهم مع اقرانهم من المجندين الابطال وذلك سوف يساهم بدرجة كبيرة في زرع الانتماء والولاء لوطنهم بدلاً من نقمتهم عليه وعلى ابناءه.

تربية اليتيم ليست وجاهة اجتماعية او وسيلة للاسترزاق من خلال التبرعات والمعونات التي تقدم لدور الايتام التي تأويهم...

كفالة اليتيم يجب ان تساهم في بناء مجتمع سليم خال من الحقد والكراهية...تسوده روح المحبة والانتماء ...وهذا لن يتأتى الا إذا قامت المؤسسات الدينية بدورها التوعوي في هذا المجال من خلال تخصيص إدارة مستقلة للمرور على دور الايتام وتوعيتهم والعمل على تنشئتهم النشأة الصالحة النافعة لحياتهم اولاً ثم وطنهم ومجتمعهم ثانياً...مع ضرورة ايجاد فرص عمل لهم قبل انتهاء فترة اقامتهم بالدور التي عاشوا بها طفولتهم و مراهقتهم و جزءاً من شبابهم.

ان الاحتفال بيوم اليتيم يجب الا يكون قاصراً على يوم الجمعة الأول من شهر ابريل من كل عام...بل يجب ان يكون عندما نحسن تربية هذا اليتيم ونخلق له البيئة الصالحة لحياته.... وان نعتبر ذلك قضية امن قومي بالفعل لان التغاضي عن القيام بهذا الدور او الاستهانة به سوء يضع على كاهل الدولة عبئاً اضافياً هي في غنى عنه وذلك إذا قمنا بواجبنا على الوجه الأمثل لتربية ورعاية هذا الطفل حتى يكون أحد أعمدة وأركان مستقبل الوطن....

رعاية اليتيم مسئولية كبيرة امام الله ثم امام المجتمع ...التساهل فيها او استغلالها على نحوً مخالف سوف يخلق اجيالاً جديدة من أطفال الشوارع الذين يمثلون احد مسالب الحياة او احد محاور خلق عناصر إجرامية جنائياً او متطرفة دينياً او كارهة للمجتمع بشكل عام...ومن هنا فإنني اناشد منظمات المجتمع المدني الوطنية....والازهر الشريف....والكنيسة ورجال الاعمال الشرفاء ان يتحملوا جزءاً من مسئولية الدولة في هذا المجال لعل ذلك يساهم في اخراج جيلاً واعياً  ناضجاً ينضم الى قافلة شباب الوطن لتحقيق الامل في رفعه شانه والحفاظ عليه بإذن الله.

 

وتحيا مصر...