إرتعاشه اللمسة الأولي ..د. سمر الغانمي ..تونس

2018-10-11 11:11:05


سفري إلى إنقلترا كان خيالا... رائحة العطور الإنقليزيّة و سِحْر الأماكن الرومانسيّة... أزهار الشتاء المعلّقة على قمم الأشجار كقناديل بلّوريّة ليليّة.
سفري إلى إنقلترا كان أمنية، تحرّرا، حريّة... فيها أرقص ملء شفتيّ و أجعل كلّ ركن في جسدي يُرنّم أغنية طفوليّة... فيها أنظم ابتساماتي و كلماتي و أغنياتي على شواطئها الضبابيّة.
سفري إلى إنقلترا كان خيالا... لكن كانت هناك غصّة في قلبي تمنعني من الابتسام بكلّ عفويّة... تذكّرني بموطني، بحضن أمّي، برائحة القهوة العربيّة، بالخبز المُغمّس في قطرات زيت الزيتون الممتزجة بالعسل، بقطرات الندى الترابيّة المنعشة، بضحكات الأطفال الحفاة التي تملأ أركان الفضاء و هم يركضون هربا من صاحب البيت حاملين حبّات التوت في أكياس مراويلهم.
كان فيكِ شيء مميّز يا إنقلترا و لكن كان فيّ حنين إلى مسقط رأسي و قريتي و بيتي الخشبيّ و غرفتي و الحائط الزهريّ و الشباك المُطلّ على أصدقاء الدرب و أحلام الطفولة، 
كان فيكَ شيء يا موطني من رائحة أمي و عرق أبي و عِراك إخوتي و بلاهة أصدقائي و فضول الجيران و سخافاتهم... و شظايا من حبّي الأوّل و بعض الرسائل الممزقة لكلمات آخر السنة الدراسيّة و بقايا ضحكات في أحجار الزقاق العتيق و صورٍ لشبابيك مهترئة تتوسّط الجدران الحبلى بالأوجاع و تجاعيد الزمان... و مسكات الأبواب القديمة التي أتأرجح عليها بكلتا يديّ لأرى وشم جدتي المخطوط بإتقان على جبينها و أسمع صراخ جدي العجوز الذي ارتبكت قيلولته و انقطعت مداعبته لبنت عشرينية في المنام...
 كان فيكَ شيء من ولادتي و نشأتي و تكويني و حماوة دمي... و تذبيلة العين العربيّة برموش تَزينها كجناحي عصفور خياليّ نُسج في أساطير الأوّلين و تغلغل في عقول المحدثين،
كان فيكَ شيء من خجلي و حمرة خدّيّ و ارتعاشة اللمسة الأولى و دهشة الاكتشاف و آثار الحضارة، 
كان فيكَ شيء يجعل الروح تسافر إليكَ تاركة جسدا باردا على مرافئ إنقلترا و شوارعها و زواياها و مقاهيها و متاحفها...
كان فيّ حنين يُكفكف دموع الفراق واعِدًا نفسه بالعودة ذات يوم.

(Samar Ghanmi)




موضوعات ذات صلة