الأزهر الشريف قلعة حضارية ومركز إشعاع علمي ( الجزء الثانى ) .. بقلم الباحثة الجزائرية نجاة على صوشة

2020-01-11 01:27:57


_نظامه التعليمي(مراحله ومواده):
بدأ نظام الدروس بالأزهر على نفس النمط القديم الذي كان متبعا في مصر وباقي العواصم الاسلامية،ونعني به نظام الحلقات ومجالس الدروس الخاصة حيث أشتهر نظام الحلقات بمصر في ق2ه‍،فكان الشيخ يجلس ليقرأ درسه في حلقة من التلاميذ المستمعين له،وتنظم الحلقات في الزمان والمكان طبقا للمواد التي تدرس .
يجلس شيخ المادة من فقه وتفسير او نحو وبيان أو غيرهم من العلوم الأخرى في أروقة الجامع أمام الطلاب الذين يناقشونه فيما لم يفهمونه ،وكان لكل مذهب من المذاهب الأربع عمد معين من أعمدة الأزهر لا يجلس لتدريس فيها لغيرهم.
حيث خصص لكل شيخ عمودا لا يتعداه ولا يتعدى عليه فيبدأ الشيخ بالبسملة ثم الصلاة على الرسول صل الله عليه وأله وسلم ،ثم يقرأ درسه لطلاب الذين يقبلون عليه بالتدوين ويتبادلون الأسئلة مع شيخهم
وكان يجلس بالقرب من الشيخ الأكثر قدما في الدراسة في حلقاته وعلى يمينه يجلس المعيدون وكبار الشيوخ الذين يزورون حلقاته خاصة الوافدين من خارج مصر لنهل العلم منه.
وظل العمل بهذا النظام قائم إلى أن أصبح عبر الزمن نوعا من المحاضرات الجامعية بعد الاصلاحات التي أدخلت عليه مع إلاصلاحات الحديثة التي أحدثها رواد الاصلاح وشيوخ الأزهر وعلمائه.
أ_مراحله التعليمية:
إن هيكلة التعليم بالأزهر عند نشأته ظل معتمدا على النظام التقليدي (نظام الحلقات) إلى أن تطور نظامه التعليمي مع توسع التعليم به ليشمل ميادين كثيرة
خاصة بعد صدور جملة من القوانين الداعية إلى إصلاحه كان أخرها قانون سنة1930م الذي يرجع الفضل في سنه للشيخ محمد مصطفى المراعي ،الذي
تولى مشيخته عام1928م .
وهو المنعرج الذي شكل خطوة هامة في لبنة إصلاح الجامع ،فقد إهتم بتزويد الدارسين فيه بما هم في حاجة إليه من العلون والمعارف الحديثة وبموجبه أصبحت الدراسة في الأزهر تتم على أربعة مراحل هي:
1_المرحلة الإبتدائية :مدة الدراسة بها أربع سنوات.
2_المرحلة الثانوية:مدة الدراسة بها خمس سنوات.
3_المرحلة العليا:تنحصر الدراسة بها في ثلاث كليات
هي:
أ_كلية أصول الدين.
ب_كلية الشريعة.
ج_كلية اللغة العربية لكل منها منهج خاص بها.
4_المرحلة المتخصصة:وهي المرحلة التي يختار فيها الطالب وجهته العلمية إما:
أ_تخصص وعظ وإرشاد.
ب_تخصص القضاء الشرعي والأرشاد.
ج_التدريس ومدته عامين تابع لكلية اللغة العربية وبعدها يحصل الطالب على إجازة التدريس ويباشر الخريجون مهمة التدريس في المدارس العامة او بالأزهر الشريف نفسه.
د_تخصص الفقه وأصول الدين.
ه‍_تخصص التفسير /الحديث/التوحيد/المنطق/التاريخ/البلاغة/الأدب/النحو/الصرف .
وفي جميع هذه التخصصات يمنح الدارس شهادة العالمية في التخصص أو الفرع الذي درس فيه.

ب_مواده وأوقات الدراسة بالجامع:
أولا:مواد الدراسة: إتسمت المناهج الدراسية المعتمدة في الأزهر بالتنوع وتعدد المشارب بين علوم نقلية تحتل المقام الأول في إهتمام المنشغلين بالعلم،وتنحصر هذه العلوم في الحديث/الفقه/التفسير
والتي تعرف في وقتنا الحالي بالعلوم اللسانية من نحو/بيان/للغة
لم يكن هذا الصنف من العلوم يتجاوز مجرد الشروح والتعليق والحواشي وتفسير الكتب وإختصارها وإيجاز مختصراتها ورواية ماسبق تأليفه
أما العلوم الحديثة كالرياضيات /الفلك/الحساب/الطب وغيرهم ،فكانت تأتي في المقام الأخير من عناية العلماء إذا لا تتعدى عندهم مجرد خرافات وأوهام وأنصرف الناس عنها لهذه الإعتقادات،ماجعل الدراسة بالأزهر تتأخر للأسباب التالية:
_عدم العناية بالعلوم اللغوية الحديثة مثل علوم المنطق ومبادئ الحساب ...إلخ .
_عدم تعليم الأزهر في أروقته العلوم الحديثة مثل:الطب الهندسة والفنون وغيرها من علوم حديثة
وبقي هذا الوضع من الركود يشوب تقدم الأزهر ويعيقه إلى غاية فترة حكم محمد علي باشا لمصر الذي أدرك إتساع الهوة بين مايدرس بالأزهر وما
تتطلبه حاجيات الدولة الحديثة فلم يكن أمامه سوى
أمرين أثنين هما:
أ__تحويل التعليم به إلى النحو الذي يتماشى مع متطلبات العصر .
ب__تركه على حالته وإنشاء مدارس أخرى لتعليم العلوم الحديثة .
للتتوالى بعد ذلك الأصوات المنددة بإصلاح التعليم بالأزهر والنهوض به وفق مايتطلبه العصر الحديث
ومواكبة التطور العلمي الحاصل في العالم.
ففي كلمة وجهها شيخ الازهر إلى الملك فؤاد أشاد فيها بما آل إليه حال الأزهر وما لحق به من ركودا وخمول ودعى فيها إلى إيجاد جهاز قوي لإدارته يستمد منهجه من التطورات العلمية في العالم من تعليم وطرق التفكير والأستدلال والبحث ولعل من أهم ما جاء في هذه الرسالة نذكر:
الدعوة للتدريس القران والسنة دراسة خالية من التحريف.
الدعوة إلى وجوب تدريس الفقه الإسلامي وتجريده من التعصب المذهبي.
الدعوة إلى تدريس الأديان بما فيها من عقائد وعبادات ورفع اللبس عنها.
توفير كتب في مختلف فروع المعرفة وفق طرق التأليف الحديثة.
كما وجه الشيخ الأزهري الزيات رسالة إلى الحكومة المصرية يشرح فيها ما إنتهى إليه حال الأزهر ،وعرض فيها جملة من عوامل اليقظة للنهوض به ومواكبة التطورات الحاصلة في ميادين التربية والتعليم بمختلف عواصم البلدان الأخرى ومنها نذكر:
الدعوة إلى تنقية الأسلام من العقائد الواغلة والمذاهب الباطلة.
الدعوة لتفسير القران على عهد الرواية الصحيحة بين أقوال السلف أو ما صلح من أراء الخلف.
الإستعانة بالكتب الصحاح والعلوم الحديثة مثل:علم التاريخ /علم الإجتماع/الأخلاق/الفلسفة/تفسير الأحاديث.
ضرورة إعداد الوعاظ والدعاة من أهل اللسن والخلق والورع وإمدادهم بالثقافة العربية الحديثة واللغات الحية وإيفادهم إلى الأمم بما فيها العناية بالبعثات الأسلامية في الازهر الشريف.
جعل اللغة العربية إجبارية في مراحل التعليم المختلفة في أروقة الأزهر الشريف.
كل هذه الجهود والأعمال التي حمل لوائها مصلحين وعلماء أزهريين ،جعلت الأزهر حاضرة إشعاع علمي لمختلف العلوم الدينية والعربية ومنارة تشد إليها الرحال من طلاب العلم من مختلف الأصقاع والبقاع

أوقات الدراسة بالجامع: إن مواعيد وأوقات الدراسة بالأزهر الشريف،لم تكن حتى أواخر العقد(1)من ق20م بعدما سنت قوانين وقواعد تضبط وتنظم مواعيد الدراسة وحتى عدد الحصص اليومية حيث وزعت على النحو التالي: بعد الفجر:يدرس التفسير والحديث.بعد الظهر :تعقد حلقات الفقه على المذاهب الأربع بعد العصر:يدرس المنطق/الحكمة/الحساب/التاريخ/الفلك وسائر العلوم الحديثة الأخرى بعد المغرب:بعد الصلاة يدرس الفنون/الأدب/المنطق/أدب البحث والهيئة وتدور المناقشات الحرة بعد العشاء :يفرغ الجامع للتبتل والصلوات وأداء الأذكار. أما عن مدة الدراسة فعادة تتراوح بين ساعة أو ساعتان عبر دروسا صباحية ومسائية بحسب نشاط كل طالب وعدد العلوم التي يرغب في تلقيها ،وظل العمل بهذا التوزيع إلى غاية صدور مرسوم 1931م برقم49 القاضي بإعادة هيكلة الأزهر وتنظيمه ليصبح بذلك جامعة عصرية حديثة منظمة الدراسة وضبطت مواعيدها مكانة الأزهر العلمية: عرف الأزهر منذ تأسيسه بعلو مكانته ورسوخه في العلم حيث أصبح في العهد المملوكي أكبر مؤسسة تربوية ودينية في مصر ،للتتبلور بعدها مكانته جليا مع مطلع ق16م ما أدى إلى بروزه كأهم مؤسسة علمية وفكرية وكذا كمركز إشعاع ثقافي في المشرق العربي والعالم ككل وتعود هذه المكانة إلى: المكانة المتميزة التي تحظى بها القاهرة بإعتبارها أهم قطب ثقافي وحضاري بالمشرق العربي تردد العلماء المغاربة والأفارقة على أروقته وهم في طريقهم للحج اهتمام الأزهر بطلاب العلم داخل أروقته وتخصيص مجريات مادية لهم مكانة وسمعة علمائه ورسوخهم في العلوم والمعارفإحتوائه على أمهات المخطوطات والكتب النادرة في مختلف فروع المعارف والعلوم وهذه العوامل وغيرها جعلت من الأزهر من بين أهم أقطاب العلم والمعرفة في مصر خصوصا والعالم العربي ككل ،يخرج العلماء والفقهاء وتشد إليه الرحال من طالبي العلم من شتى أصقاع العالم بمختلف فئاتهم وتصنيفاتهم وهو ماساهم في نهضة مصر وإزدهارها بفضل مساهمات علمائه وأعمالهم الجليلة وبهذا غدى الأزهر منارة مصر ومعقد إفتخارها بين أقرانها من الدول




موضوعات ذات صلة